ابن عجيبة
59
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ من الأعمال الظاهرة والباطنة ، التي من جملتها ما تظهرونه من الأكاذيب المؤكدة بالأيمان الفاجرة ، وما تضمرونه في قلوبكم من الكفر والنفاق ، والعزيمة على مخادعة المؤمنين ، وغيرها من فنون الفساد . قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ، أمر - عليه الصلاة والسلام - بتبليغ ما خاطبهم اللّه به ، وصرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب ، وهو أبلغ في تبكيتهم ، فَإِنْ تَوَلَّوْا - بحذف إحدى التاءين ؛ بدليل قوله : وَعَلَيْكُمْ أي : فإن تعرضوا عن الطاعة إثر ما أمرتكم بها فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ من التبليغ وقد بلّغ ، وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ من التلقي بالقبول والإذعان . والمعنى : فإن تعرضوا عن الإيمان فما ضررتم إلا أنفسكم ، فإن الرسول ليس عليه إلا ما حمله اللّه تعالى من أداء الرسالة ، فإذا أدى فقد خرج عن عهدة تكليفه . وأما أنتم فعليكم ما كلفتم ، أي : ما أمرتم به من الطاعة والإذعان ، فإن لم تفعلوا وتوليتم فقد عرّضتم نفوسكم لسخط اللّه وعقوبته . قال القشيري : قل يا محمد : أطيعوا اللّه ، فإن أجابوا ، سعدوا في الدارين ، وإنما أحسنوا لأنفسهم . وإن تولوا ؛ فما أضروا إلا بأنفسهم ، ويكون اللوم في المستقبل عليهم ، وسوف يلقون سوء عواقبهم . ه . وَإِنْ تُطِيعُوهُ فيما أمركم به من الهدى تَهْتَدُوا إلى الحق ، الذي هو المقصد الأصلي الموصل إلى كل خير ، والمنجى من كل شر ، وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ؛ الموضح لكل ما يحتاج إلى الإيضاح ، أو : البيّن الوضوح ؛ لكونه مقرونا بالآيات والمعجزات المتواترة . والجملة مقررة لما قبلها من أن غائلة التولي وفائدة الإطاعة مقصورتان عليهم . واللام : إما للجنس المنتظم فيه - عليه الصلاة والسلام - انتظاما أوليا ، أو للعهد ، أي : ما على جنس الرسول كائنا من كان ، أو ما عليه - عليه الصلاة والسلام - إلا التبليغ الواضح . وباللّه التوفيق . الإشارة : ترى بعض الناس يقسمون باللّه جهد أيمانهم : لئن ظهر شيخ التربية وأمرهم بالخروج عن أموالهم وأنفسهم ليخرجن ، فلما ظهر تولوا وأعرضوا ، فيقال لهم : فإن تولوا فإنما عليه ما حمّل من الدلالة على اللّه ، والتعريف به ، وعليكم ما حملتم من الدخول تحت تربيته ، وإن تطيعوه تهتدوا إلى معرفة اللّه بالعيان ، وما على الرسول إلا البلاغ المبين .